البحث في الموقع
آخر التعليقات
آخر المقالات
2010-12-26
الأعمال الموسوعية في الحضارة العربية الإسلامية

yyy

في سياق مشروع الموسوعة العربية في المهجر قدمنا بعض الدراسات عن الأعمال الموسوعية في العالم، وفيما يلي مقتطفات موجزة للأعمال الموسوعية في فترة الحضارة العربية الإسلامية.

1 - قد يصح القول إن أول عمل موسوعي في الحضارة العربية الإسلامية أنجزه أبو محمد عبد الله بن قتيبة، أستاذ وفيلسوف، في كتابه “عيون الأخبار” الذي يتألف من عشرة أجزاء ويتناول ما يلي: القوة، الحرب، الشرف، الطبائع، المعرفة والبلاغة، التقشف، الصداقة، الصلوات، الأطعمة، النساء.

ولد في الكوفة في عام 828 م. وتوفي في بغداد في عام 889. وقال عنه ابن النديم في “الفهرست” “كان ابن قتيبة يغلو في البصريين، إلا أنه خلط بالمذهبيين (أي الكوفي والبصري)، وكان صادقا في ما يرويه، عالما باللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه والشعر والفقه كثير التصنيف والتأليف”، وأول من حقق وأصدر كتابه الموسوعي “عيون الأخبار” المستشرق الألماني كارل بروكلمان (1900-1903) ثم طبعته دار الكتب المصرية في أربعة مجلدات في عام 1921 وأعادت طبعه دار الكتب العلمية. وله كتب أخرى لعل من أهمها “أدب الكاتب” و “الشعر والشعراء” و “الإمامة والسياسة” و “الرد على الشعوبية”.

2 - ثم قام الأديب العربي الأندلسي شهاب الدين أحمد بن محمد بن عبد ربه (860-940م) بتصنيف كتابه الشهير “العقد الفريد” بتحسين وإكمال الموضوعات الواردة في كتاب “عيود الأخبار”. ويستعرض في مقدمته أهم أبوابه الموسوعة فيقول: “وقد نظرت في بعض الكتب الموضوعة فوجدتها غير متفرقة في فنون الأخبار، ولا جامعة لجمل الآثار، فجعلت هذا الكتاب كافيا، جامعا لأكثر المعاني التي تجري على أفواه العامة والخاصة، وتدور على ألسنة الملوك والسوقة، وحليت كل كتاب منها بشواهد من الشعر: تجانس الأخبار في معانيها وترافقه في مذاهبها، وقرنت بها غرائب من شعري ليعلم الناظر في كتابنا هذا أن لمغربنا على قاصيته، وبلدنا على انقطاعه، حظا من المنظوم والمنثور، وسميته كتاب “العقد الفريد” لما فيه من مختلف جواهر الكلام، مع دقة المسلك وحسن النظام، وجزاته على خمسة وعشرين كتابا كل كتاب منها جزءان، فتلك خمسون جزءا في خمسة وعشرين كتابا. قد انفرد كل كتاب منها”.

3 - ثم وضع أبو النصر الفارابي (870-950م) كتابه “إحصاء العلوم” الذي يبحث في العلوم اللسانية، والمنطق والرياضيات وتتضمن علم البصريات، والفلك والموسيقى وعلوم الأثقال (الميكانيك)، والعلم الطبيعي (الفيزياء)، ويتضمن علم الأرصاد الجوية، والنبات، والحيوان، وعلم النفس، وما وراء الطبيعة، والسياسة، والفقه، وعلم الكلام.

وعني الفارابي بالموسيقى من حيث هي علم مكمل لفلسفته، فألف كتابا في طبيعة الأصوات وتفرع الأنغام، أحله بين أعلام الموسيقى في التاريخ. ويمثل كتابه “آراء أهل المدينة الفاضلة” الذي ألفه في عهد متأخر من حياته خلاصة تفكيره الفلسفي. وله كتب ورسائل متعددة أخرى منها “السياسة المدنية” و“تحصيل السعادة” و“الجمع بين رأيي الحكيمين أفلاطون الإلهي وأرسطو طاليس”. وقد ترجم كتابه “إحصاء العلوم” إلى اللغة اللاتينية في القرون الوسطى تحت عنوان يمكن ترجمته إلى الانكليزية كالآتي: On the Science or on the Origin of the Science.

4 - وضع الخوارزمي كتابه الشهير المعروف بـ “مفاتيح العلوم” خلال الفترة 975-997. وقسمه إلى فرعين: العلوم المحلية، وهي الفقه والفلسفة المدرسية وقواعد اللغة وأمانة السر وفنون الشعر والنثر والتاريخ. ثم العلوم الأجنبية، وهي الفلسفة والمنطق والطب والحساب والهندسة وعلم الفلك والموسيقى والميكانيكا والكيمياء.

5 - ووضع أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي كتابه الموسوعي المعنون “مروج الذهب ومعادن الجوهر” الذي جمع بين التاريخ والجغرافيا العلمية. وتقول الموسوعة البريطانية أن المسعودي يعتبر “هيرودوت العرب”، فقد غطت رحلاته فلسطين وبلاد الشام وفارس وأرمينيا وسواحل القفقاس والهند وسيلان والصين ومدغشقر وزنجبار وعمان ومصر. ووضع كتابه الموسوعي الآخر “أخبار الزمان في من أباده الحدثان”، في ثلاثين مجلدا، وملحقه “كتاب الأصوات” بعدة مجلدان، الذي يعتبر سجلا زمنيا دقيقا للأحداث التاريخية. ووضع في أواخر حياته كتاب “التنبيه والإشراف” وفيه أكمل وعدل كتاباته السابقة وترجمت أعماله هذه إلى الفرنسية في أواخر القرن الماضي.

ولد المسعودي في بغداد في أواخر القرن التاسع الميلادي وتوفي في الفسطاط (القاهرة حاليا) في عام 957م.

6 - في أواسط القرن العاشر الميلادي، بلغت الخلافة من الضعف مبلغا استغله الولاة الطامعون ونشطت الحركات السياسية المعارضة، ونشأت خلافة مستقلة في القاهرة هي خلافة الفاطميين. وفي الوقت الذي انحطت فيه الأخلاق وفقد الأمن واشتد الضنك، ظهرت الفلسفات الخلقية الكريمة على يد “مسكويه” ونبتت الفلسفة الاجتماعية المثلى لدى بعض الفلاسفة ولا سيما في رسائل إخوان الصفاء.
وإذ نشأت جمعية إخوان الصفاء، باعتبارها جمعية سرية، في مدينة البصرة، فإن ظروف تشكيلها ومؤسسيها لم تعرف على نحو كاف. وورد في كتاب “أخبار الحكماء” للقفطي أن مؤسسيها خمسة، على رأسهم زيد بن رفاعة ثم أبو سليمان المقدسي، وتاريخ اكتمالها هو 983م، وذلك نقلا عن أبي حيان التوحيدي. ومن أهم أعمال الجمعية رسائلها التي تبلغ 51 (أو 52) رسالة تضمنت مختلف الموضوعات والعلوم المعروفة في ذلك الزمان. وتقع في أربعة أجزاء رئيسية: الأول، في الرياضيات، ويتناول أبحاث العدد والهندسة والنجوم والموسيقى والجغرافيا والمنطق وتهذيب الحيوان. والثاني، في العلوم الطبيعية ، ويتضمن عناصر الموجودات وأصناف المعادن وأنواع النباتات وأجناس الحيوان. والثالث، في الشؤون الخلقية، والمدركات العقلية، ويعالج منشأ الأخلاق ونواميس الكون. والرابع: في الأمور الإلهية والغيبية وفيه تفصيل نظام إخوان الصفاء وخلاصة آرائهم.
ويقول الإخوان إنهم بعد أن أنجزوا رسائلهم الإحدى والخمسين لخصوا أهم ما فيها في رسالة جامعة “أوضحوا فيها غاياتهم وأبانوا مقاصدهم”، إلا أن الرسائل التي وصلتنا تبلغ اثنتين وخمسين رسالة، ليس بينها ما تنطبق عليه أوصاف تلك الرسالة الجامعة على النحو الوارد ذكره. وقد يفسر ذلك لأنهم لم يعمموها “فيكاد لا يظفر بها إلا القليلون، وإذا كان كذلك فكيف نعلل وجود الرسالة الإضافية؟”.

ويذكر مصنف “أعلام الفلسفة العربية” أنه نشر منذ عقدين من الزمان كتاب في جزأين بعنوان “الرسالة الجامعة” لمؤلفة المجريطي (1004م) وهو عالم رياضي من علماء الأندلس، قال عنه الناشر أنه من المرجح أن يمثل الرسالة الجامعة التي ذكرها الإخوان وأن المجريطي نسبها إلى نفسه. ومع ذلك فإن مؤلفي “أعلام الفلسفة” يشككان بكونها هي الرسالة الجامعة عينها.

7 - وألف النويري، وهو مؤرخ مصري (1272-1332م) أهم موسوعة معروفة في عصر المماليك بعنوان “نهاية الارب في فنون الأدب”، تحتوي على حوالي 9000 صفحة، وتضم أقساما عدة (1) الجغرافيا: وتتضمن علم الفلك، والظواهر والأحوال الجوية، وتواريخ الأحداث CHRONOLOGY وعلم طبقات الأرض، (2) والإنسان: ويدخل فيه التشريح، والمأثورات الشعبية، والسلوك، والسياسة، (3) وعلم الحيوان، (4) وعلم النبات، (5) والتاريخ.

8 - ووضع الكاتب المصري القلقشندي (1355-1418م) كتابه الموسوعي الشهير “صبح الأعشى” في أربعة عشر مجلدا ليكون “مرجعا أمينا ومنبعا ثريا يقصده المتأدبون والكتاب ليستقوا منه كل ما يحتاجون إليه في تكوين ثقافتهم العامة، واكتساب الأصول، والوسائل التقنية في تجويد مهمتهم”. وتتناول موضوعات الكتاب الجغرافيا، والتاريخ السياسي، والتاريخ الطبيعي، وعلم الحيوان، وعلم التعدين، وعلم مظاهر الكون، وقياس الزمن.

وتحدث القلقشندي، بين أمور أخرى في كتابه الموسوعي هذا عن العلوم الأدبية والتاريخية والاجتماعية والشرعية والطبيعية المفروض توافرها في من يعمل في الكتابة في الدواوين، وتطرق إلى الحديث عن المسالك والممالك سياسيا وجغرافيا والمكاتبات ومصطلحاتها والولايات وطبقاتها، وعقود الصلح والبريد وغير ذلك ما يعد بالمئات من العناوين.

9 - يوجد عدد آخر من الأعمال الموسوعية التي صدرت في ذلك العصر الذي تدهورت فيه الحضارة العربية الإسلامية نذكر منها على سبيل المثال كتاب “مسالك الأبصار” للعمري (1301-1348م) الذي يتميز بأهميته في التاريخ والجغرافيا والشعر، ومقدمة ابن خلدون (1332-1406)م) المشهورة لكتابة المسمى “العبر وديوان المبتدأ والخبر…” وكتاب “المستطرف” للأبشيهي (1440م) الذي يتضمن الدين وقواعد السلوك والقانون والشمائل الخلقية والعمل والتاريخ الطبيعي والموسيقى والأغذية والطب، وكتاب “أنموذج العلوم” للديواني (1427-1501م) الذي يتضمن أسئلة وأجوبة موثقة في موضوعات واسعة. وقام الشيرازي المتوفي في عام 1552م بالتعليق على هذا المؤلف في كتابه “مقالات الرد على أنموذج العلوم”. وأخيرا، نذكر كتاب الحنفي المتوفي في عام 1524م، والمسمى “مجمع ملتقى الزهور في الموزون والمنثور”، وهو كتاب موسوعي يصف مختلف أصناف المعارف، مزود بملحق أبجدي يتضمن أسماء الله. وبعد ذلك التاريخ تبدأ الفترة المظلمة التي تمتد حتى بداية عصر النهضة، في القرن التاسع عشر. وهنا أصدر المعلم بطرس البستاني أول موسوعة عربية في عام 1876، ومنها تبدأ محاولات إصدار موسوعات عربية حديثة.

أهم المراجع

1 - ابن عبد ربه شهاب الدين أحمد الأندلسي، العقد الفريد.
2 - كمال اليازجي وأنون غطاس كرم، أعلام الفلسفة العربية.
3 - جبور عبد النور، المعجم الأدبي.
4 - الموسوعة البريطانية، الطبعتان الرابعة عشر والخامسة عشرة.
5 - منير البعلبكي، موسوعة المورد.
6 - رسائل إخوان الصفا.

(6)

* تمثل هذه المقالة الحلقة الثانية من استعراض تاريخ الأعمال الموسوعية في العالم، وهي موجهة للقارئ العادي، وقد نشرت في صحيفة القدس العربي.
استعراض بعض الأعمال الموسوعية في الغرب*

في سياق الدراسات المقدمة بشأن الأعمال الموسوعية في العالم، نوجز فيما يلي بعض الأعمال الموسوعية في العالم الغربي خلال ما يزيد على 2300 عام .

إن أول عمل موسوعي معروف يمكن أن ينسب إلى سبوسيبوس SFEUSIPPUS وهو أحد تلامذة أفلاطون، وابن أخيه، وذلك في القرين الرابع قبل الميلاد، الذي قام بتصنيف أفكار وكتابات عامة في التاريخ الطبيعي والرياضيات والفلسفة وغيرها، ولم يصل إلينا عمله هذا. ثم قام الرومان بتصنيف أو الموسوعات التي تضم جميع المعارف والعلوم التي كانت معروفة. واضطلع فارو FARRO بهذا العمل في القرن الأول قبل الميلاد، وقسم أعماله الموسوعية إلى أربعة أجزاء: الفنون والآداب، والجهود الإنسانية، والآلهة، وسير اليونان والرومان. ولم يصل إلينا من أعمال فارو إلا أجزاء يسيرة.PLINY THE ELDER بوضع أول عمل موسوعي متكامل، وصل إلينا في مصنفة بعنوان “التاريخ الطبيعي” HISTORIA NATURALIS، في القرن الأول للميلاد، ويتألف عمله هذا من 73 كتابا تضم مختلف العلوم التي كانت معروفة بما فيها الطب وعلوم النباتات والحيوان والأحجار والفنون الجميلة، التي تستغرق النحت والرسم والشعر والموسيقى والأدب.

وقد ظلت موسوعة بلينوس الحكيم مصدرا مهما للموسوعات التي صدرت بعده لفترة قد تبلغ 1500 عام. ولا تزال هذه الموسوعة حتى اليوم سجلا هاما لتفصيلات فنون النحت والرسم الرومانية.

وتميزت موسوعة رجل الدولة كاسيودوروس INSTITUTES OF DEVINE AND SECULAR LITERATURE، بأنها فصلت بوضوح بين الأمور المقدسة والأمور الدنيوية. ثم صدرت الموسوعات التي تتسم بالتفسير المسيحي للمعرفة البشرية، فظهرت عدة مؤلفات أهمها سلسلة من الأعمال الموسوعية تعالج موضوعات من أمثال التاريخ والتشريع والزراعة والطب والبيطرة نظمتها الإمبراطور البيزنطي قسطنطين السابع 905-959. وقبل هذا التاريخ بدأت تصدر في العالم العربي أعمال موسوعية كبرى، مثل “الفهرست” لابن النديم، و “إحصاء العلوم” للفارابي، و“مروج الذهب” للمسعودي، و“العقد الفريد” للأندلسي. (انظر الفصل السابق).

* * * * *

كانت الأعمال الموسوعية الصادرة حتى القرن الثاني عشر تنظم تبعا لموضوعات المعرفة البشرية السائدة في كل زمن، حتى صدر أول عمل موسوعي بشكل مرتب حسب الحروف الأبجدية تحت اسم SUDA، ومع أنه لم يؤثر في تغيير المنهج العام للأعمال الموسوعية الأخرى، إلا أنه احتوى على معلومات مفيدة، مما جعله يشكل مصدرا مهما للمعرفة خلال القرون التي تلت إصداره. وأهم عمل تحقق في القرن الثاني عشر قام به هو هنوريوس HONORIUS في “مرآة العالم” IMAGO MUNDI، تضمن الجزء الأول منه الجغرافية، وعلم التنجيم، وعلم الفلك، ثم العرض التاريخي الزمني، يليه الجزء الثالث الذي تضمن أهم الأحداث.

بيد أن العمل البارز الذي تحقق في القرون الوسطى قام به فنسنت VINCENT تحت عنوان SPECUM MAJUS (في القرن الثالث عشر). تضمن هذا العمل 10000 فصل في 80 كتابا. ولم يتحقق أي عمل موسوعي بهذا الحجم حتى القرن الثامن عشر. ولا سيما على يد فرنسيس بيكون FRANCIS BACON في INSTAURATIO MAGNA، الذي “شرع في إعادة تشييد هيكل كامل للعلوم والفنون وكافة المعارف البشرية استنادا إلى الأسس الصحيحة” كما يقول. ولم ينجز من هذا العمل إلا جزءا قليلا.

ويلاحظ أن معظم الأعمال الموسوعية التي ظهرت في أوروبا حتى مطلع القرن السابع عشر تقريبا كانت محررة باللغة اللاتينية – باستثناء اليونانية القديمة – باعتبارها لغة العلوم والآداب والمعارف. أما اللغات القومية كالفرنسية والإنجليزية والألمانية ربما كانت تعتبر لغات لا تسمو إلى استيعاب تلك الميادين أو أنها كانت تعتبر لغات العامة في حين أن اللغة اللاتينية كانت تعتبر لغة المثقفين.

لذلك فإن العمل الموسوعي الذي أصدره لويس موريري LOUIS MORERI بالفرنسية تحت عنوان GRAND DICTIONAIRE HISTORIQUE (1674)، يعتبر نقطة تحول مهمة في هذا المجال. وقد رتبت مواد هذا العمل حسب الحروف الهجائية، وانتشر على نطاق واسع، وترجم إلى اللغة الإنجليزية وصدرت له ملاحق حتى عام 1705. ثم توالت إصدارات الموسوعات باللغات القومية في كل من انجلترا وألمانيا وسويسرا وهولندا، التي استوحيت من هذه الموسوعة. ثم صدرت موسوعات فرنسية مهمة أخرى. ويلاحظ أن معظم الأعمال الموسوعية الفرنسية سميت DICTIONAIRE، أي معجم، مع أنها تتناول الجانب الموسوعي بالإضافة إلى الجانب اللغوي في المواد المرتبة ترتيبا هجائيا.

وعندما صدرت موسوعة إيفرام شامبر CHAMBER بالانجليزية (1728(، أذكت حماس الموسوعيين الفرنسيين، وعلى رأسهم المترجم الفيلسوف دنيز ديدرو D. DIDROT، فقاموا بإعداد الموسوعة الفرنسية على منوالها، بمشاركة روسو وفولتير ومنتسكيو وغيرهم. وهي الموسوعة التي اتهمها الجزويت باللادينية. وناضل ديدرو خلال ستة وعشرين عاما (1746-1772)، رغم اضطهاده من جانب السلطة، لإخراجها في 28 مجلدا من القطع الكبير جدا، ثم أضيف إليها سبعة مجلدات حتى عام 1780. ويعتبر الموسوعيون الفرنسيون أبرز مَن مثل حركة التنوير في فرنسا خاصة وفي أوروبا عامة، وشكلت حركتهم القاعدة الثقافية لاندلاع الثورة الفرنسية 1798، التي غيرت وجه أوروبا وألقت آثارها التحررية والفكرية على العالم أجمع. وظهرت الأجزاء الأولى من الموسوعة البريطانية BRITANICA، التي اضطلعت بها جمعية باسم SOCIETY OF GENTLEMEN، في عام 1768 في أدنبرة – اسكوتلندا - ، واستكملت المجلدات الثلاثة في عام 1771. ثم توالت الطبعات إلى أن وصلت إلى الطبعة الخامسة عشرة الحالية، حيث بلغ عدد مجلداتها الأصلية، بأقسامها الثلاثة الموجزة والمختصرة والمفصلة، أكثر من ثلاثين مجلدا، تضاف إليها المجلدات السنوية. ويشارك في إعدادها أكثر من أربعة آلاف عالم ومفكر وكاتب. وهي تصدر اليوم من جامعة شيكاغو، في الولايات المتحدة. وتعتبر من أكمل وأشمل الموسوعات المعروفة.

(7)
ما معنى الموسوعة ؟

1 – إصطلاحا: المصطلح الأجنبي ENCYCLOPAEDIA ينتمي أصلا إلى الكلمة الإغريقية ENKYKLOPAIDEIA أو ENKYKLIOS PAIDEIA المركبة من جزأين، يعني الأول ENKYKLIOS نظاما عاما أو دائرة، ويعني الثاني PAIDEIA معرفة. وقد نقلت إلى العربية منذ القرن الماضي فترجمت حرفيا إلى مصطلح “دائرة المعارف”، كما وردت في مصنف بطرس البستاني ومصنف محمد فريد وجدي. وأطلق عليها مؤخرا “موسوعة”، كما ورد ذلك في “الموسوعة الميسرة” و“موسوعة المورد”. وقد اشتق هذا اللفظ من الفعل “وسع” بصيغة اسم المفعول الذي يدل على السعة والشمول. (“وسع علمه كل شيء” أي أحاط به وعرف دقائقه).

ويبدو أن المصطلح الأجنبي قد ورد بهذا اللفظ ENCYCLOPAEDIA منذ عام 1531 على يد تومالس إليوت T. ELYOT في كتابه THE GOVERNOUR، وفي معجمه اللاتيني الصادر في عام 1531، ولدى رابليه RABELAIS في مؤلفه PANTAGRURL (1533). وربما يعتبر المؤلف الألماني بول سككاليش P. ScCALICH أول من أطلق هذا التعبير بالذات على عنوان كتاب مكرس لهذا الغرض شرح بأنه : يمثل “الإحاطة بالعلوم والمعارف العالمية الدينية والدنيوية”. وقد صدر في بازل في عام 1559.

ولا يعني ذلك أن الموسوعات لم تصدر إلا بعد ذلك التاريخ بل إنها قد توالت منذ ما يزيد على ألفي عام وسميت بأسماء مختلفة. فمثلا، مصنف لاروس “للقرن العشرين” LAROUSSE DE XXE SIECLE، يمثل موسوعة جامعة بالمعنى الصحيح، ومع ذلك ظل محتفظا بعنوانه باعتباره معجما جامعا. كما أن العرب أخرجوا منذ القرن التاسع الميلادي موسوعات جامعة أطلقوا عليها أسماء مختلفة منها “عيون الأخبار” لابن قتيبة، و“العقد الفريد” لابن عبد ربه، و“إحصاء العلوم“ للفارابي و“مفاتيح العلوم“ للخوارزمي، و“مروج الذهب ومعادن الجوهر” للمسعودي، ورسائل إخوان الصفاء ودورها. (انظر الفصل 5 السابق).

2 – مفهوما: تعرف “موسوعة المورد” تعتبر “الموسوعة” أو دائرة المعارف: بأنه مؤلف ضخم عادة يشتمل على مقالات في مختلف العلوم والفنون، مرتبة على حروف المعجم في معظم الأحيان. أو وفقا للموضوعات في بعض الأحيان. وقد تقتصر الموسوعة على كل ما ينبغي أن يعرفه القارئ عن علم من العلوم أو فن من الفنون كالموسوعة الطبية والموسوعة الإسلامية….

ويعرفه معجم Grand Larousse بأنه يعني مجموعة كاملة من المعارف، أو يمثل عملا يعرض مبادئ بنتائج جميع العلوم البشرية.

ويرى الفيلسوف رامون لولي Ramon Lully – القرن الثالث عشر – أن الموسوعة تمثل “البحث عن الحقيقة”. كما يعتبرها دومينيجو بانديني Domonico Bendini الإيطالي “مصدرا للحقائق الكونية المعتبرة أو الجديرة بالملاحظة”.

وترى الموسوعة البريطانية أن الموسوعة تمثل نقطة بدابة يمكن منها الشروع في رحلة استكشاف، أو تعتبر نقطة مرجعية أساسية يمكن الركون إليها.

3 - ويمكن أن نعرف هذا المصطلح، في إطاره الوارد في ورقة العمل المكرسة لمشروع الموسوعة العربية الجامعة، بأنه يشير إلى مصنف متعدد المجلدات – يضم خلاصات المعارف القائمة، في جميع العلوم والفنون، وأعلام التاريخ، مرتبة على حروف المعجم ومقدمة بشكل موضوعي علمي محايد. ويستهدف هذا المصنف مختلف المتعلمين والمثقفين والمتخصصين، لا سيما في الوطن الأم، ليقدم لهم مرجعا شاملا يعودون إليه عند الحاجة لاستقصاء نقطة معينة، فيركز على الأهم ويحيل على المهم: عن طريق الإشارة إلى المراجع المتخصصة. (انظر المرفق الثالث من ورقة العمل: لمن توجه الموسوعة؟).

وإلى جانب ما سيقدمه هذا العمل الواسع من خدمة عملية جليلة إلى الأجيال العربية الحاضرة والقادمة، فإنه بقيامه على أكتاف العلماء العرب المقيمين في المهجر، في المقام الأول، قد يسفر عن جمع هذه الفئة المتفرقة من المثقفين الواعين لتكوين نواة حركة ثقافية راسخة تؤمن بالعلم طريقا للتقدم، وبالديمقراطية أسلوبا للعمل في جميع الميادين، وبتفاعل الآراء المختلفة وسيلة للتوصل إلى الحقائق التي قد تظل في معظمها نسبية ومتغيرة رهنا بالزمان والمكان والظروف.

شرت هذه المقالة في صحيفة “القدس العربي” (لندن) في 15/11/1995، كما نشرت في صحيفة “الحياة” (لندن) في 21/11/1995



http://www.marefa.org/blog/content/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%88%D8%B9%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B6%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A%D8%A9

 




تعليقات
Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 968818 :: Aujourd'hui : 407 :: En ligne : 10