في الاخلاق بين النسبي و المطلق
 
2010-05-03   

في الاخلاق بين النسبي و المطلق




المشكلة الأولى في الأخلاق بين النسبي والمطلق


طرح المشكلة العامة:


ما دام الإنسان حرا وعاقلا ويتحمل نتائج أفعاله، فإن كل فعل يصدر منه يتعامل معه على أساس قيمته، أي دائما يحاول تقييم الفعل ماذا يجب فعله وما لا يجب فعله ؟ وفي هذه الحالة هل تقييم الأفعال ثابت أم متغير؟ وعلى أي أساس يتم تقييم الفعل أخلاقيا ؟





أولا : الأخلاق واحدة لمجرد قيامها على أساس الثوابت





-1- مفهوم الثوابت : من صفاتها المطلقية


المطلق كمقولة فلسفية غير مشروط ومستقل وغير نسبي وكامل في ذاته وغير محدد بأي حال من الأحوال وثابت.وهو مصطلح يستخدم في الفلسفات المثالية ليدل على الموضوع الأبدي و اللامتناهي وغير المشروط والكامل والذي لا يتغير ،أي الكامل في ذاته الذي لا يتوقف على أي شيء أخر عدا نفسه ، ويحتوي في ذاته على كل شيء في الوجود ، ويخلق كل شيء موجود .( الموسوعة الفلسفية )


-2- الأسس الثابتة للأخلاق


هل يمكن القول بأن الأخلاق واحدة لمجرد قيامها على أساس من المبادئ؟





*مفهوم القيمة الخلقية:


بصفة عامة هي الفائدة أو المنفعة المرجوة من القيام بالفعل .


القيمة الأخلاقية هي الصورة الإجمالية المشروعة لمادتها وهي ما يصدر عن الضمير الخلقي من أحكام بخصوص الأفعال سواء كانت خيرا أو شرا .


- الخير: هو كل ما نستحسنه وما يجب فعله .


- الشر: هو كل ما نستهجنه و بالتالي ما لا يجب فعله .


* فعلى أي أساس نقيم الفعل ؟ هل على أساس قدسيتها(الدين)؟ أم على أساس مطلقيتها(العقل) ؟


وحدة الأخلاق في قدسيتها(الدين الإلهي )


يرى رجال الدين أن مفهومي الخير والشر يتحددان بالرجوع إلى التعاليم الدينية كون الدين سلطة متعالية منزهة معصومة من الخطأ وبالتالي يكون الفعل أخلاقيا كلما كان منسجما مع الدين يأتمر بأوامره وينتهي بنواهيه ، هذا ما تشير إليه الآية الكريمة " وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ". فمهما سمى عقله فهو عاجز عن إدراك الخير المطلق أو الحقيقة المطلقة . وبالتالي ما عليه إلا ان يسترشد بالدين عملا بقوله تعالى : "عسى ان تكره شيئا فهو خير لكم وعسى أن تحب شيئا فهو شر لكم ". فإن كان هذا هو موقف الأشاعرة فإن فرقة المعتزلة ترى أن العقل هو قوام الفعل الخلقي فبإمكانه التمييز بين الخير والشر، المحمود والمذموم وما الشرع إلا مخبر لما يدرك هذا العقل .


لا يمكن تجاهل وإنكار ما للدين في تقييم الفعل أخلاقيا إلا أنه هو في حد ذاته يدعو الى إعمال الفكر والتأمل والتدبر والاجتهاد في الفهم .





الأخلاق ومطلقية العقل


القيم الأخلاقية ترجع إلى العقل باعتباره خاصية إنسانية أي القاسم المشترك بين جميع الناس كما يقول 'ديكارت ' :" أعدل قسمة بين الناس " . فحسب العقليين العقل ليس ملكة للفهم فقط بل هو معيار لتقييم الأفعال أخلاقيا ، إذ يمكن له التمييز بين الخير والشر بحيث كل ما هو موافق ومطابق مع العقل فهو خير ، وكل ما لا يطابقه فهو شر وبالتالي لا أخلاقي .


ومن مناصري هذا الموقف أيضا نجد :


أفلاطون ←الذي يرى أن الخير فوق الوجود شرفا و قوة .


كانط ←يرفض أن تكون الأخلاق قائمة على الطبيعة البشرية ليؤسسها على أساس العقل العملي ( الضمير) الذي ينطلق من مبدأ الإرادة الخيرة التي تعمل بمقتضى الواجب القطعي لا الشرطي.


لكن تأسيس الأخلاق على العقل وحده مبالغ فيه لأنه ليس معصوما عن الخطأ أولا ولأن الإنسان ليس عقل فقط بل عواطف وميول(الطبيعة البشرية )ثانيا .


-3-الاستنتاج:


ثانيا :الأخلاق متعددة بتعدد مشاربها ، متغيرة بتغير بيئاتها وعصورها





-1- مفهوم التغير : وهو من صفات النسبية .


- نسبية القيم من تنوع المجتمع :


يرى الاجتماعيون أن الأخلاق أساسها المجتمع ( كموضوع ).فتقييم الفرد لما هو ضار أو نافع يعود الى تأثير المجتمع عن طريق التربية والإلزامات ، لأن الطفل عندما يولد لا يملك أية فكرة عن مفاهيم الخير والشر المعتمد عليها في أحكامهم المعيارية ( لا يعرف معنى التضحية، الواجب ....الخ ).إذ يغرس المجتمع فيهم تلك القيم عن طريق القصص ، التعليم ، الأساطير ...لهذا يقول "دوركايم ": "إذا تكلم الضمير فينا فإن المجتمع هو الذي يتكلم " وفي موضع أخر " نحن نعرف أننا لسنا سادة تقويمنا فنحن في هذا مقيدون وملزمون مجبرون والذي يفعل ذلك هو الضمير الاجتماعي ".


نفس الفكرة يشاركها "لفي برول " في قوله "إن القيم ليست ثابتة بل متغيرة تختلف من مجتمع إلى أخر ، كون القيم الأخلاقية ما هي إلا مظهر للجماعة وعلاقاتها بالجماعات الأخرى ".





*لكن لو كان الفرد صورة طبق الأصل للمجتمع لساد الثبات ، فكيف نفسر تغير الأوضاع والتمرد عليها ، فالتاريخ شاهد على أن الكثير من المصلحين خرجوا عن المألوف وغيروا الأوضاع إلى الأحسن .





-نسبية القيم من طبيعة الفرد ذاته:





في حين يرى آخرون أن الطبيعة البشرية هي الأساس الذي تبنى عليها الأخلاق. لأن من طبيعة الإنسان أنه يطلب اللذة وينفر من الألم .ومن هذا المنطلق فإن تأسيس الأخلاق يكون على مبدأ اللذة الذي يحقق السعادة أما الخير يكمن في تعدد المنافع، ومن رواد هذا الاتجاه :


- ارستيب القورنائي ←اللذة هي الخير الأعظم وهي مقياس القيم جميعا .هذا هو صوت الطبيعة فلا خجل ولا حياء وما القيود والحدود إلا من وضع العرف .


- أبيقور ← فقد عدل من مذهب ارستيب لأنه لا يميز بين اللذات لهذا يرى ان هناك لذات


أفضل من أخرى كما انه علينا أن تقبل الآلام إذا كانت تجلب لنا لذة وان نبتعد عن اللذات التي تولد الآلام ....


- ثم تطور هذا المذهب وبدأ التفكير في الفعل الخير الذي يؤدي إلى اللذة ، لهذا يرى النفعيون أن اللذة التي يجب أن نسعى إليها ليست لذة الفاعل وحده بل لذة كل من لهم علاقة بالفعل ، فالفعل الخلقي لا يكون كذلك إلا إذا حقق أكبر قدر ممكن من اللذات لأكبر عدد من الناس ولهذا عمد "جرمي بنتام "إلى الاهتمام بالوسائل المؤدية إلى اللذات مطبقا قواعد أساسية حسابية تسمح لنا باستخراج النتائج الحسنة أو السيئة لكل الأعمال الإنسانية ( الشدة ، المدة،القرابة، الزمان ،المكان والامتداد ).


-هل اللذة شديدة أم ضعيفة ؟


- هل اللذة ممتدة أم قصيرة ؟


- هل اللذة قريبة الأجل أم بعيدة ؟


- هل هي ممتزجة بأي ألم ؟


- هل تحقق منفعتي فقط أم منفعة غيري ؟


غير أن "جون ستيوارت مل " أعطى الأولوية للمنفعة الجماعية على حساب المنفعة القائمة على الأنانية ، وإعطاء الأولوية للذات العقلية على حساب اللذات الجسمية إذ يقول :"أفا يكون الإنسان إنسانا شقيا أفضل ان يكون خنزيرا راضيا ، وان يكون سقراطا غير راضي أفضل له له أن يكون إنسانا سخيفا سعيدا ."


* جعل الأخلاق تقوم على مبدأ اللذة يفقدها خصائصها الروحية وربطها بالنوازع المادية المتغيرة القائمة على الأنانية( تجريدها من مضمونها )أما فيما يخص المنفعة ، هذا يجعل الأخلاق متعارضة لأن المصالح ومنافع الناس متضاربة مختلفة فما هو نافع لي فهو عند غيري ضار وهكذا . فهي تلغي كل مشروعية وإلزامية للأخلاق .


-3- الاستنتاج:


القيمة الخلقية تابعة لما تتضمنه من خيرية وشرية فهي متعددة ونسبية أيضا كون المبدأ التي تصدر منه إما المجتمع أو طبيعة الفرد ذاته .





ثالثا :الأخلاق بين المبدأ والواقع :


اعتقاد البعض بان الأخلاق تقوم على فكرة المطلق والمقدس يقضي إلى وجود تعارض بين هذا القول وبين الواقع الذي يبين لنا اختلاف وتعدد وتغير الأخلاق فكيف نزيل هذا التعارض؟





- طبيعة الأخلاق ثابتة في مبادئها، متطورة في تطبيقاتها في آن واحد:





من بين الذين تعرضوا إلى هذه المشكلة في الفكر الإسلامي نجد الإمام " الشاطبي "إذ يرى هدف أي نظام أخلاقي هو جلب المصالح ودرء المفاسد لذا لابد من التمييز بين الوسيلة والقيم المطلقة .فالقيم واحدة ثابتة لا تتغير ولا تتعدد ولكن القيم الوسيلية تتغير بتغير الظروف وهي التي تسعى إلى تحقيق الغاية الأخلاقية ، فالمحافظة على الدين ، النفس ، العقل هي قيم وسيلية لأنها تهدف إلى قيمة أسمى مطلقة قائمة بذاتها وهي المصلحة ( الخير العام ) فالغاية الأخلاقية هي التي تبرر الوسيلة ( الأخلاقية )عكس ما ذهب إليه الفيلسوف الإيطالي ' مكيافيلي' .





حل المشكلة





بالرغم من اختلاف هذه الأسس ( المبادئ) وتعارضها إلا أنها متداخلة ومتكاملة فيما بينها وذلك في تقييم الفعل وفهم السلوك الخلقي ، ولا يمكن أن نحصر القيمة الخلقية في أساس واحد ، حتى الدين كسلطة متعالية لم يلغ الأسس الأخرى ( العقل ، المجتمع ، المنفعة..) هذا ما نفهمه من الحديث الشريف " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ولهذا يقال " الأخلاق واحدة في أهدافها ( مطلقة )متعددة في تطبيقاتها " أو كما قال "شوبنهاور" :" من السهل علينا أن نبشر بالأخلاق لكن يصعب علينا أن نضع أساسا لها ."

http://etudiantssetif.3arabiyate.net/montada-f8/topic-t4620.htm




 
تفاعلات الأصدقاء

لا يوجد أي تفاعل إلى حد الأن


Powered by WEBMEDIA TUNISIE
Visiteurs : 1040168 :: Aujourd'hui : 238 :: En ligne : 5